ميرزا حسين النوري الطبرسي

63

النجم الثاقب

وأهلها على أحسن قاعدة ، لا يكون على وجه الأرض من الاُمم والأديان مثلهم وأمانتهم ، حتى انّ المتعيّش بسوق يرده إليه من يبتاع منه حاجة امّا بالوزن أو بالذراع فيبايعه عليها ثمّ يقول : يا هذا زن لنفسك وأذرع لنفسك . فهذه صورة مبايعاتهم ، ولا يسمع بينهم لغو المقال ، ولا السفه ولا النميمة ، ولا يسبُّ بعضهم بعضاً ، وإذا نادى المؤذن الأذان ، لا يتخلّف منهم متخلّف ذكراً كان أو أنثى الّا ويسعى إلى الصلاة ، حتى إذا قضيت الصلاة للوقت المفروض ، رجع كلّ منهم إلى بيته حتى يكون وقت الصلاة الأخرى فيكون الحال كما كانت . فلمّا وصلنا المدينة ، وارسينا بمشرعتها ، أمرونا بالحضور إلى عند السلطان فحضرنا داره ، ودخلنا إليه إلى بستان صور ( 1 ) في وسطه قبّة من قصب ، والسلطان في تلك القبّة ، وعنده جماعة وفي باب القبّة ساقية تجري . فوافينا القبّة ، وقد أقام المؤذن الصلاة ، فلم يكن أسرع من أن امتلأ البستان بالناس ، واُقيمت الصلاة ، فصلّى بهم جماعة ، فلا والله لم تنظر عيني أخضع منه لله ، ولا ألين جانباً لرعيّته ، فصلّى من صلّى مأموماً . فلمّا قضيت الصلاة التفت الينا وقال : هؤلاء القادمون ؟ قلنا : نعم ، وكانت تحيّة الناس له أو مخاطبتهم له : " يا ابن صاحب الأمر " فقال : على خير مقدم . ثم قال : أنتم تجّار أو ضياف ؟ فقلنا : تجّار ، فقال : من منكم المسلم ، ومن منكم أهل الكتاب ؟ فعرَّفناه ذلك ، فقال : انّ الاسلام تفرّق شعباً فمن أيّ قبيل أنتم ؟ وكان معنا شخص يعرف بالمقري ابن دربهان بن أحمد ( 2 ) الأهوازي ، يزعم انّه على مذهب الشافعي ، فقال له : أنا رجل شافعي ، قال : فمن على مذهبك من الجماعة ؟

--> 1 - قال الجوهري في الصحاح : ج 2 ، ص 716 : " والصَّوْرُ بالتسكين : النخل المجتمع الصغار ، لا واحد له . . . " . 2 - قال المؤلف رحمه الله : " اسمه دربهان بن أحمد ، كذا في كشكول الشيخ يوسف البحراني " .